نساء أم الشيخ: أصوات الصمود في كثبان الرمال – قرية أم الشيخ – الرهد أبو تقانة – شمال كردفان


نساء أم الشيخ: أصوات الصمود في كثبان الرمال – قرية أم الشيخ – الرهد أبو دكنة – شمال كردفان

نساء أم الشيخ: أصوات الصمود في كثبان الرمال

في قلب ولاية شمال كردفان، وتحديدًا بمحلية الرِيّد، تقع قرية أم الشيخ – مجتمع صغير يعلو تلًّا، وتحيط به كثبان رملية لا تنتهي. الحياة هنا قاسية، لكن نساء القرية أصبحن رمزًا للصمود، يحملن عائلاتهن في أصعب الأوقات.

رغم أنهن يعشن في حزام الصمغ العربي ويكرسن جهدًا لا يُحصى في زراعته، واستخراجه، وجمعه، وتنقيته، إلا أن البقاء على قيد الحياة لا يزال معركة يومية. في كل موسم زراعي، يغرق الرجال في الديون – يستدينون من أجل البذور، وتجهيز الأرض، وحراسة الحقول، بانتظار حصاد الدخن، السمسم، الفول السوداني، والكركديه. وبحلول منتصف أغسطس، يلتقي الإرهاق بالإفلاس، وهنا تتقدّم النساء للحفاظ على استمرارية الحياة. يُطلق على هذا الشهر اسمًا مريرًا: “شهر أسكُت” – الشهر الذي يصمت فيه الرجال، وتتحدث فيه مكاسب النساء بصوت أعلى من قسوة الحاجة.

خلف جدران منازلهم، تعتني كل امرأة بـ”جَبْرَكة” – حديقة صغيرة تزدهر بالبامية، العدس، الطماطم، الخيار، البطيخ، والذرة. هذه المساحات المتواضعة ليست مجرد مصدر للطعام؛ بل هي شريان حياة يضمن ألا تجوع العائلات حين يفشل كل شيء آخر.

لكن عزيمة النساء لا تتوقف عند هذا الحد. ما بين شهري يناير وأبريل، بعد موسم الحصاد الرئيسي، تتوجّه أغلب النساء إلى الحقول البرية بحثًا عن السَّنَا مَكِّي – نبات طبي تقليدي. بأيدٍ متشققة وقلوبٍ مفعمة بالأمل، تجمع كل امرأة وفتاة من ثلاث إلى أربع جوالات خلال الموسم. في عام 2017، كان يُباع الجوال الواحد بألف جنيه سوداني، ومع نهاية الموسم، تصل شركة إلي للأعشاب الطبية لشراء المحصول مباشرة من النساء.

من خلال الصمغ العربي، ومن خلال الجباريك، ومن خلال حصاد السنا، تنسج نساء أم الشيخ خيوط الصمود والكرامة. قصتهن ليست مجرد حكاية تحمّل، بل أيضًا حكاية قوة صامتة – لنساء يرفضن أن تنكسر إرادتهن أمام رياح الصحراء أو دوائر الديون، ويقدن عائلاتهن نحو البقاء حين ينهار كل شيء آخر.

دروس من أم الشيخ

تحمل قصة نساء أم الشيخ دروسًا تتجاوز حدود القرية. فصمودهن في وجه الديون، والجفاف، والرياح الصحراوية، يكشف أن النساء هن العمود الفقري الخفي للحياة الريفية. بينما يُرهق الرجال من التكاليف الباهظة للزراعة، تبقى النساء هنّ من يُبقين المنازل قائمة – من خلال الصمغ العربي، والجباريك، وجمع النباتات الطبية البرية.

لسن فقط مزوّدات بالغذاء والدخل، بل حاميات للمعرفة، وللصمود، وللقدرة على التكيّف. حدائقهن تُعزّز الأمن الغذائي، وعملهن في الصمغ العربي يُسهم في استدامة الاقتصاد المحلي، وجمعهن لنبات السنا يربط قريتهن بالأسواق العالمية.

من خلال عزيمتهن الصامتة، تُذكّرنا نساء أم الشيخ أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتجاهل عمل النساء، أو حكمة النساء، أو صمود النساء. تمكينهن ليس عملًا خيريًا، بل ضرورة لبقاء وكرامة مجتمعات بأكملها.

 القصة من إعداد: خالدة ابو زيد

khalda-abuzaid@sawa-sudan.org :البريد الإلكتروني

2025الأحداثالأخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Verified by MonsterInsights